يكشف ميلاد ربّنا يسوع المسيح حقيقةً يُصرّ عالمنا المعاصر على تجاهلها:
إنّ الله لا يُعلن حضوره حيث يسود الاكتفاء الذاتي والسيطرة المطلقة،
بل حيث يوجد الاتكال والاحتياج.
لم يولد المسيح في قصرٍ ملوكي،
ولا في موضع أُعِدّ بحسب مقاييس البشر للراحة أو المجد أو المكانة.
بل إنّ الحدث الذي دشّن سرّ التجسّد الإلهي
كان بسيطًا، متواضعًا، ومحاطًا بالضعف.
لم يكن المِذْوَد تفصيلًا عرضيًا في التاريخ،
بل كان تدبيرًا إلهيًا مقصودًا.
معيار الله ليس كمال الإنسان
لم يكن القدّيسان مريم ويوسف يملكان كل الأجوبة.
لم تكن الطريق واضحة أمامهما.
لم يكن لديهما ضمان أو أمان بشري أو اعتبار اجتماعي.
كان لديهما إيمان وتسليم.
وكان هذا كافيًا ليحلّ الله في مسيرة البشر.
يكشف المِذْوَد مبدأً روحيًا خالدًا:
إنّ الله لا ينتظر أماكن كاملة،
بل قلوبًا منفتحة ومستعدّة لقبول مشيئته.
هو لا ينتظر أن يُصلح الإنسان فوضاه،
بل يدخل إلى الفوضى ليخلّصها ويجدّدها.
هذه الحقيقة تصطدم بالعقلية الدينية والثقافية
التي تربط حضور الله بالمظاهر،
وبالنظام الخارجي،
وبالنجاح المنظور.
إله الميلاد يولد حيث يوجد الانكسار،
وحيث يُدرَك الحدّ البشري،
وحيث تشتدّ الحاجة إلى النعمة.
من المِذْوَد إلى مائدة العائلة
يبلغ عيد الميلاد عمقه الحقيقي
حين ندرك أنّ المِذْوَد لم يبقَ حدثًا ماضيًا،
بل امتدّ ليصل إلى مائدة العائلة.
فالمسيح الذي وُلد في تواضع،
لا يزال يطلب أن يسكن بيوتًا حقيقية،
بيوتًا تعيش الصراع،
وتحمل الضعف،
وتئنّ تحت ثقل قصص غير مكتملة.
وعندما يلتقي المِذْوَد بالمائدة،
لا يعود الميلاد مجرّد ذكرى سنوية،
بل يتحوّل إلى حضورٍ حيّ ودائم.
حينها لا يكون المسيح رمزًا دينيًا،
ولا طقسًا موسميًا،
بل يصبح محور العلاقة وعمق الشركة.
في هذا اللقاء تتبدّل القلوب:
المحبّة تحلّ محلّ الإدانة،
والمغفرة تنتصر على الكبرياء،
والنعمة تشفي توقّعات الإنسان غير الواقعية.
الكمال بحسب منطق الملكوت
يعيد ملكوت الله تعريف الكمال.
فالكمال الحقيقي ليس غياب الضعف،
بل السير معًا في وسطه.
وليس في عائلات بلا خلاف،
بل في عائلات تختار عبور عواصف النفس
متّحدة بروح النعمة.
إنها المحبّة التي تثبت حين يتعب الجميع.
وهو التفهّم الذي يمتدّ حين يكون الحكم أسهل.
وهي المغفرة التي تُحيي حين يطالب الكبرياء بالانفصال.
هذا هو الكمال الذي يبدأ في المِذْوَد
ويظهر حول المائدة.
دعوة تتجاوز الأزمنة
قد تكون مائدتك هذا الميلاد غير مكتملة.
قد يسكنها صمت مؤلم،
أو جراح لم تُشفَ،
أو مسافات يصعب عبورها.
ومع ذلك، يبقى عيد الميلاد دعوة حيّة:
هل هناك موضع للمسيح بيننا؟
لا مسيحًا شكليًا أو ثقافيًا،
بل الربّ الحي،
الذي يدخل البيوت الضعيفة
ويحوّلها إلى مواضع خلاص.
لأنّ الميلاد، في جوهره،
لا يحتفل بعائلات كاملة،
بل بالإله الكامل
الذي اختار أن يولد في مِذْوَد
ولا يزال يسكن موائد غير كاملة.
«وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا»(يوحنّا 1:14)
.jpg)